الشنقيطي

445

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وقد قدمنا الأحاديث الواردة بالأمر بقتل الأوزاغ في سورة « الأنعام » وعن أبي العالية : لو لم يقل اللّه وَسَلاماً لكان بردها أشد عليه من حرها . ولو لم يقل على « إبراهيم » لكان بردها باقيا إلى الأبد . وعن علي وابن عباس رضي اللّه عنهم لو لم يقل « وسلاما » لمات إبراهيم من بردها . وعن السدي : لم تبق في ذلك اليوم نار إلا طفئت . وعن كعب وقتادة : لم تحرق النار من إبراهيم إلا وثاقه . وعن المنهال بن عمرو : قال إبراهيم ما كنت أياما قط أنعم مني في الأيام التي كنت فيها في النار . وعن شعيب الحماني : أنه ألقي في النار وهو ابن ست عشر سنة . وعن ابن جريج : ألقي فيها وهو ابن ست وعشرين . وعن الكلبي بردت نيران الأرض جميعا ، فما أنضجت ذلك اليوم كراعا . وذكروا في القصة : أن نمروذ أشرف على النار من الصرح فرأى إبراهيم جالسا على السرير يؤنسه ملك الظل ، فقال : نعم الرب ربك ، لأقربن له أربعة آلاف بقرة وكف عنه . وكل هذا من الإسرائيليات . والمفسرون يذكرون كثيرا منها في هذه القصة وغيرها من قصص الأنبياء . وقال البخاري في صحيحه : حدثنا أحمد بن يونس ، أراه قال : حدثنا أبو بكر عن أبي حصين عن أبي الضّحى عن ابن عباس « حسبنا اللّه ونعم الوكيل » قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النّار ، وقالها محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم حين قالوا : الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ( 173 ) [ آل عمران : 173 ] حدثنا مالك بن إسماعيل ، حدثنا إسرائيل عن أبي حصين عن أبي الضّحى عن ابن عباس قال : كان آخرهم قول إبراهيم حين ألقي في النار : « حسبي اللّه ونعم الوكيل » « 1 » - انتهى . قوله تعالى : وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ ( 71 ) [ 71 ] . الضمير في قوله : وَنَجَّيْناهُ عائد إلى إبراهيم . قال أبو حيان في البحر المحيط : وضمن قوله وَنَجَّيْناهُ معنى أخرجناه بنجاتنا إلى الأرض ؛ ولذلك تعدى « نجّيناه » بإلى . ويحتمل أن يكون « إلى » متعلقا بمحذوف ؛ أي منتهيا إلى الأرض ، فيكون في موضع الحال . ولا تضمين في « ونجّيناه » على هذا . والأرض التي خرجا منها : هي كوثى من أرض العراق ، والأرض التي خرجا إليها : هي أرض الشام ا ه منه . وهذه الآية الكريمة تشير إلى هجرة إبراهيم ومعه لوط من أرض العراق إلى الشام فرارا بدينهما . وقد أشار تعالى إلى ذلك في غير هذا الموضع ؛ كقوله في « العنكبوت » * فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي [ العنكبوت : 26 ] الآية ، وقوله في « الصافّات : » وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ ( 99 ) [ الصافات : 99 ] على أظهر القولين ؛ لأنه فار إلى ربه بدينه من الكفار . وقال القرطبي رحمه اللّه في تفسير قوله تعالى : وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ ( 99 ) : هذه الآية

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في التفسير حديث 4563 و 4564 .